ابن منظور
37
لسان العرب
معها ظنٌّ واستفهام وإضْراب ؛ وأَنشد الأَخفش للأَخطل : كَذَبَتْك عَينُكَ أَمْ رأَيت بِواسِطٍ * غَلَسَ الظَّلام ، من الرَّبابِ ، خَيالا ؟ وقال في قوله تعالى : أَمْ يَقولون افْتراه ؛ وهذا لم يكن أَصله استفهاماً ، وليس قوله أَمْ يَقولون افْتَراه شكَّاً ، ولكنَّه قال هذا لِتَقبيح صَنيعِهم ، ثم قال : بل هو الحَقُّ من رَبِّك ، كأَنه أَراد أَن يُنَبِّه على ما قالوه نحو قولك للرجل : الخَيرُ أَحَبُّ إليك أمِ الشرُّ ؟ وأَنتَ تَعْلَم أنه يقول الخير ولكن أَردت أن تُقَبِّح عنده ما صنَع ، قاله ابن بري . ومثله قوله عز وجل : أمِ اتَّخَذ ممَّا يَخْلق بَناتٍ ، وقد عَلِم النبيُّ ، صلى الله عليه وسلم ، والمسلمون ، رضي الله عنهم ، أنه تعالى وتقدّس لم يَتَّخِذ وَلَداً سبحانه وإنما قال ذلك لِيُبَصِّرهم ضَلالَتَهم ، قال : وتَدْخُل أَمْ على هلْ تقول أَمْ هلْ عندك عمرو ؛ وقال عَلْقمة ابن عَبَدة : أَمْ هلْ كَبيرٌ بَكَى لم يَقْضِ عَبْرَتَه ، * إثْرَ الأَحبَّةِ ، يَوْمَ البَيْنِ ، مَشْكُومُ ؟ قال ابن بري : أمْ هنا مُنْقَطِعة ، واستَأْنَف السُّؤال بها فأَدْخَلها على هلْ لتَقَدُّم هلْ في البيت قبله ؛ وهو : هلْ ما عَلِمْت وما اسْتودِعْت مَكْتوم ثم استأْنف السؤال بِأَمْ فقال : أَمْ هلْ كَبير ؛ ومثله قول الجَحَّاف بن حكيم : أَبا مالِكٍ ، هلْ لُمْتَني مُذْ حَصَضَتَنِي * على القَتْل أَمْ هلْ لامَني منكَ لائِمُ ؟ قال : إلَّا أَنه متى دَخَلَتْ أَمْ على هلْ بَطَل منها معنى الاستفهام ، وإنما دَخَلتْ أَم على هلْ لأَنها لِخُروجٍ من كلام إلى كلام ، فلهذا السَّبَب دخلتْ على هلْ فقلْت أَمْ هلْ ولم تَقُل أَهَلْ ، قال : ولا تَدْخُل أَم على الأَلِف ، لا تَقول أَعِنْدك زيد أَمْ أَعِنْدك عَمْرو ، لأَن أصل ما وُضِع للاستفهام حَرْفان : أَحدُهما الأَلفُ ولا تَقع إلى في أَوَّل الكلام ، والثاني أمْ ولا تقع إلا في وَسَط الكلام ، وهلْ إنما أُقيمُ مُقام الأَلف في الاستفهام فقط ، ولذلك لم يَقَع في كل مَواقِع الأَصْل . أنم : الأَنامُ : ما ظهر على الأَرض من جميع الخَلْق ، ويجوز في الشِّعْر الأَنِيمُ ، وقال المفسرون في قوله عز وجل : والأَرضَ وَضَعَها لِلأَنام ؛ همُ الجِنُّ والإِنْس ، قال : والدليلُ على ما قالوا أَنَّ الله تعالى قال بعَقِبِ ذِكْره الأَنامَ إلى قوله : والرَّيْحان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبان ، ولم يَجْرِ للجنِّ ذِكْر قبلَ ذلك إنما ذَكَر الجانَّ بعده فقال : خَلَق الإِنْسانَ من صَلْصالٍ كالفَخَّار وخَلَق الجانَّ من مارجٍ من نارٍ ؛ والجِنُّ والإِنسُ هُما الثَّقَلان ، وقيل : جاز مُخاطَبَةُ الثَّقَلَيْن قبل ذِكْرِهِما معاً لأَنها ذكرا بِعَقِب الخِطاب ؛ قال المُثَقَّب العَبْدي : فما أَدْرِي ، إذا يَمَّمْتُ أَرْضاً * أُرِيدُ الخَيْرَ ، أَيُّهما يَلِيني ؟ أَأَلخَيْر الذي أنا أَبْتَغيه ، * أمِ الشَّر الذي هو يَبْتَغِيني ؟ فقال : أَيُهما ولم يَجْر للشرّ ذكر إلا بعد تَمام البيت .